السيد كمال الحيدري

156

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

إنَّ كلّ مرتبة لاحقة من هذه المراتب الأربع هي ظلّ للسابقة ، كما أنَّ السابقة حقيقة للّاحقة ، فكلّ عالم له لباسه الخاصّ به ، ولا يخفى بأنَّ أسبق المراتب هي وجوده في مقام الواحدية ، وأدنى مراتبه هي في مقام اللفظ ، وتدور معارفه الإلهية بين هذين الطرفين ، فما كان في مقام اللفظ يُعلم بواسطة التفسير ، والذي قد يُعبَّر عنه أيضاً بالحصول ؛ وما كان فوق مقام اللفظ فيُعرف بالتأويل وفقاً لمراتبه الثلاث ، المسمَّاة بالإشارة واللطائف والحقائق ، والذي قد يُعبَّر عنه أيضاً بالحضور ، وذلك ضمن تفصيل وبيانات ستأتينا لاحقاً « 1 » . إنَّ القرآن بصفته شيئاً ، لا بدَّ أن تكون له خزائن خاصّة به وفقاً للقاعدة القرآنية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ( الحجر : 21 ) ، وهذه الخزائنية تشتمل على إشارات القرآن ولطائفه وحقائقه ، وقد ورد هذا التشطير المعارفي في روايات أهل البيت سلام الله عليهم ، فعن الإمام الحسين عليه السلام أنه قال : ( كتاب الله عزّ وجل على أربعة أشياء : على العبارة ، والإشارة ، واللطائف ، والحقائق . فالعبارة للعوام ، والإشارة للخواصّ ، واللطائف للأولياء ، والحقائق للأنبياء ) « 2 » . هذا هو الإثبات القرآني العامّ لوجود حقيقة للقرآن وراء وجوده اللفظي سمّاها بالخزائن ، وأما الإثبات القرآني الخاصّ فهو قوله تعالى : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( الحجر : 21 ) ، فهو في أُمّ الكتاب له مرتبة أشرف وأعظم عبّر عنها بأنه ( لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) ، وفي الواقعة : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ ( الواقعة : 77 - 79 ) ، فالمكنون مرتبة رفيعة ، ولِرِفعتها لا يمسّها إلا المطهَّرون .

--> ( 1 ) في الباب الثاني الخاص بالتفسير ، والباب الثالث الخاص بالتأويل . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 89 ، ص 20 ، ح 18 . .